الشيخ محمد هادي معرفة

39

تلخيص التمهيد

في منثور كلام العرب ومنظومه ، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها ، وكانت حقائق لا تتبدّل ولا يختلف بها الحال ، إذ لا يكون للاسم بكونه خبراً لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالًا لذي حال أو فاعلًا أو مفعولًا لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر . فما هذا الإعجاز الذي تجدّد بالقرآن من عظيم مزيّة ، وباهر الفضل ، والعجيب من الوصف ، حتّى أعجز الخلق قاطبةً ، وحتّى قهر من البلغاء والفصحاء القُوَى والقدر ، وقيّد الخواطر والفكر ، حتّى خرست الشقاشق « 1 » وعدم نطق الناطق ، وحتّى لم يجر لسان ، ولم يبن بيان ، ولم يساعد إمكان ، ولم ينقدح لأحد منهم زند ، ولم يمض له حدّ ، وحتّى أسال الوادي عليهم عجزاً ، وأخذ منافذ القول عليهم أخذاً ؟ ! أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله ، ونردّه عن ضلاله ، وأن نطبّ لدائه ، نزيل الفساد عن رائه « 2 » ؟ فإن كان ذلك يلزمنا فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه ( يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز ) ويستقصي التأمّل لما أودعناه . « 3 » وكرّ في الكتاب قائلًا : وإنّه كما يفضّل النظم النظم ، والتأليف التأليف ، والنسج النسج ، والصياغة الصياغة ، ثم يعظم الفضل ، وتكثر المزيّة ، حتّى يفوق الشيء نظيره ، والمجانس له درجات كثيرة ، وحتّى تتفاوت القيم التفاوت الشديد ، كذلك يفضّل بعض الكلام بعضاً ، ويتقدّم منه الشيء الشيء ، ثمّ يزداد من فضله ذلك ، ويترقّى منزلة فوق منزلة ، ويعلو مرقباً بعد مرقب ، ويستأنف له غاية بعد غاية ، حتّى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع ، وتحسر الظنون ، وتسقط القوى ، وتستوي الأقدام في العجز . « 4 » ثم قال : واعلم أنّه لا سبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتّى يبلغ القول غايته ،

--> ( 1 ) . الشقاشق : جمع شقشقة - بكسر الشين - وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج ، ويقال للفصيح : هدرت شقاشقه ، يريدون الانطلاق في القول وقوّة البيان ، ويقال في مقابل ذلك : خرست شقاشقه . ( 2 ) . الراء : الرأي . ( 3 ) . في مقدمة دلائل الإعجاز : ص ( ف - ص ) . ( 4 ) . دلائل الإعجاز : ص 25 - 26 .